بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
فإن صلة الأرحام من أهم أسباب التواصل و السعادة ، بها تتآلف النفوس وتتعاون القلوب ، من وصلها وصله الله ، ومن قطعها قطعه الله وحرمه دخول الجنة دار المتقين ودار الأبرار ، قال عليه الصلاة والسلام : ( لا يدخل الجنة قاطع ) قال معاوية : أي قاطع رحم .
إخواني الأحبة نضع بين أيديكم هذا الفصل العظيم الذي قد استخرجناه من المجلد الخامس من سلسلتنا الذهبية ( سلسلة الفوائد المستخرجة من تفسير الإمام القرطبي رحمه الله )
والآن مع هذا الفصل :
فصل في بيان أحكام صلة الأرحام
قال تعالى :{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1.
v حكم صلة الرحم : قال القرطبي – رحمه الله : " اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرّمة . وقد صحّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته : أأصلُ أمي ؟ قال : ( نعم صِلي أمك ) فأمرها بصلتها وهي كافرة . فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر ، حتى انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عصبةٌ ولا فرضٌ مسمى ، ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم وعضدوا ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من ملك ذا رحم محرم فهو حر)[ صحّحه الألباني]. وهو قول أكثر أهل العلم . روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود ، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة . وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري ، وإليه ذهب الثوري وأحمد وإسحاق . ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال :
o الأول : أنه مخصوص بالآباء والأجداد .
o الثاني : الجناحان يعني الأخوة .
o الثالث : كقول أبي حنيفة .
وقال الشافعي : لا يَعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته ، ولا يعتق عليه إخوته ولا أحدٌ من ذوي قرابته ولحمته .
والصحيح الأول للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمذي والنسائي . وأحسن طرقه رواية النسائي له . رواه من حديث ضَمرة عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ملك ذا رحم محرم فقد عتق عليه ) [ صحّحه الألباني]. وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلـّة توجب تركه غير أن النسائي قال في آخره : هذا حديث منكر . وقال غيره : تفرّد به ضمرة . وهذا هو معنى المنكر والشاذ في اصطلاح المحدثين . وضمرة عدل ثقة ، وانفرد الثقة بالحديث لا يضره . والله أعلم .
v هل ذوي المحارم من الرضاعة يدخلون في هذا الباب ؟
قال القرطبي – رحمه الله : واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارم من الرضاعة . فقال أكثر أهل العلم لا يدخلون في مقتضى الحديث . وقال شريك القاضي بعتقهم . وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يَجزي ولدٌ والداً إلا أن تجده مملوكا فيشتريه فيعتقه). قالوا : فإذا صح الشراء فقد ثبت الملك ، ولصاحب الملك التصرف . وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع فإن الله تعالى يقول:{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}البقرة83 . فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب ، وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه فإذا يجب عليه عتقـُه إما لأجل الملك عملا بالحديث : ( فيشتريه فيعتقه ) ، أو لأجل الإحسان عملا بالآية . ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه نسبَ الشرعُ العتق إليه نسبة الإيقاع منه .
وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك ، فوجه القول الأول ما ذكرناه من معنى الكتاب والسنة ، ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة المحرّمة بالأب المذكور في الحديث ، ولا أقرب للرجل من ابنه فيحمل على الأب ، والأخ يقاربه في ذلك لأنه يُدلي بالأبوة فإنه يقول : أنا ابن أبيه . وأمّا القول الثالث فمتعلـّقـُه حديث ضمرة وقد ذكرناه . والله أعلم .
v من هم الأرحام ؟
قال القرطبي – رحمه الله : قوله تعالى : { وَالأَرْحَامَ } الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره ، وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرّم في منع الرجوع في الهبة ، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام . فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند . وهم يرون ذلك نسخا لاسيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة ، وقد جوّزوها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات . والله أعلم " .